|
فولفجانج مونشو هل هناك مبالغة في التشاؤم بشأن منطقة اليورو، كما قال في الأسبوع الماضي جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي؟
عندما يحاول المرء أن يجيب عن هذا السؤال ينبغي أن يميز بين الآفاق الاقتصادية في المدى القصير إلى المتوسط من جهة، واستدامة الاتحاد النقدي في المدى الطويل من جهة أخرى. إذن، دعونا نفكك الأمر الأول ونركز عليه وحده. فأي نوع من التعافي، إن وجد، سنحصل عليه؟
خلال النصف الأول من عام 2010 نعمت منطقة اليورو بأسعار فائدة اسمية في المدى القصير قريبة من الصفر، وبانخفاض كبير في سعر صرف اليورو مقابل الدولار، وبسياسة توسعية في المالية العامة. وأسهمت تلك العوامل الثلاثة في حدوث زيادة في الفترة الأخيرة في الطلبات الصناعية في ألمانيا، وفي زيادة التفاؤل في مجتمع الأعمال في ذلك البلد.
ومع دخولنا في النصف الثاني من العام بدأ يطرأ تغير على عاملين من العوامل الثلاثة. فأولاً، نشهد الآن تشديداً مدفوعاً بالسياسة في السياسة النقدية. والسيد تريشيه مخطئ تماماً في ادعاء عدم وجود علاقة لزيادة أسعار الفائدة بالسياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي. وهو لا يستطيع أن يضرب عصفورين بحجر واحد. عندما انتُقِد البنك المركزي الأوروبي في العام الماضي بسبب عدم خفض سعر الفائدة الرسمي إلى الصفر، أشار بصورة صائبة إلى أن ما يهم هو سعر الفائدة التي تدفع على شهادات الإيداع قصيرة الأجل، حسب سعر الفائدة على القروض لليلة واحدة بين بنوك منطقة اليورو (الإيونيا) الذي كان يتم تداوله حتى عهد قريب عند 0.3 في المائة. ونتيجة للتغير الذي طرأ أخيرا على السياسة الخاصة بالسيولة، ارتفع سعر الفائدة هذا إلى 0.5 في المائة في الشهر الماضي، وانخفض بعد ذلك إلى 0.4 في المائة.
وحسب بعض الاقتصاديين الذين أجروا الحسابات الرياضية حول هذا الموضوع، شروط السيولة المتشددة ستدفع الإيونيا ليكون قريباً من سعر إعادة الشراء، وهو سعر الفائدة الرسمي للبنك المركزي الأوروبي – الذي هو حالياً 1 في المائة. وبعبارة أخرى، عبر عدم القيام بأي شيء، فإن البنك المركزي الأوروبي سيرفع أسعار الفائدة فعلياً ثلاث مرات تقريبا بواقع ربع نقطة في كل مرة.
إن إبقاء الإيونيا قريباً من الصفر يتطلب إما خفضاً كبيراً في سعر الفائدة الرئيسي لإعادة التمويل، أو زيادة كبيرة في شراء السندات الحكومية، أو عودة إلى دعم توسعي أكبر لسيولة البنوك. وأستبعد الخيارين الأولين. ولا يوجد في الوقت الحاضر إجماع على الثالث.
ثانياً، الزيادة الأخيرة في سعر صرف اليورو مقابل الدولار تعني أن اليورو لم يعد يسير في اتجاه من شأنه أن يولد صدمة إيجابية على الطلب على المنتجات المصنعة في منطقة اليورو. ذلك أن استراتيجية منطقة اليورو للتعافي الاقتصادي التي تعتمد على زيادة القدرة التنافسية مقابل بقية العالم يمكن أن تتقوض كلية عبر ارتفاع سعر الصرف.
ثالثاً، الخبر الجيد الوحيد في الوقت الراهن هو أن السياسة المالية ما زالت مخففة – على عكس الشائعات التي تتحدث عن التقشف. وستتقلص نسبة العجز الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي بصورة معتدلة في عام 2011 – بنسبة 0.5 في ألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، وربما بأقل من ذلك في فرنسا. وسيتبع ذلك انكماش متواضع آخر في المالية العامة في الأعوام المقبلة.
ولو كنا في بداية انتعاش دوري عادي لكان رد السياسة المالية والنقدية مجتمعين معقولاً. لكن في ضوء عمق الركود الاقتصادي الأخير واستمرار وجود الأزمة المالية، اعتقد أنه كان من الأكثر حكمة لو تم تأجيل وقف العمل بالحوافز النقدية والمالية حتى يترسخ التعافي بشكل ثابت.
لكن حتى أنا لا أتوقع أن يؤدي ضبط النفقات في المالية العامة إلى ركود يتخلله انتعاش سريع لفترة قصيرة . فإذا كنت تحقق نمواً بنسبة 1 في المائة فقط، فإن زيادة سعر الفائدة بنسبة نصف نقطة مئوية سيوصلك قريباً من الركود، مثلما أشار ألان بلندر، وهو نائب أسبق لرئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في الأسبوع الماضي. وما أخشاه هو أن تنتهي منطقة اليورو بتوازن على قاعدة من النمو المنخفض لفترة طويلة من الوقت، على غرار ما حدث في اليابان في تسعينيات القرن الماضي. إذن، ما الفرق المهم بين المتفائلين والمتشائمين؟ يعتقد المتشائمون أن تعافياً عالمياً قوياً أمر غير مرجح في ظل وجود الضغط المالي وتحلل القطاعين الخاص والعام في البلدان الصناعية الذي تتسبب فيه المديونية.
وينقسم المتفائلون إلى مجموعتين. فهناك الذين يجدون صعوبة في العد إلى الصفر ولا يستطيعون جمع التوازنات العالمية الخاصة، والعامة، والأجنبية التي يجب أن تساوي صفراً بالتحديد.
وهناك المتفائلون العقلانيون الذين يجب أن تستند توقعاتهم بعودة النشاط إلى طلب القطاع الخاص على فرضية العودة إلى اختلالات عالمية أكبر حتى مما كان عليه الحال قبل الأزمة، تسهم فيها منطقة اليورو هذه المرة بشكل نشط. لكن من المؤكد أن هذا الموقف ليس قابلاً للدوام.
وسيجادل المتشائمون بأن نمو الطلب العالمي لن يكون قوياً بما يكفي لدعم انتعاش يدعم نفسه بنفسه في منطقة اليورو. وحتى المتفائلون العقلانيون الذين يعتقدون أن هذا أمر ممكن، ربما يخلصون إلى أن هذه الاختلالات غير قابلة للدوام وقد تشعل فتيل أزمة مالية أخرى على الطريق. وإذا كان هذا ما تتوقعه فأنت لست متفائلاً في الواقع.
إذا كان ذلك التحليل صحيحاً، فهذا جدل بين متشائمين يساورهم القلق بشأن المدى الطويل، ومتفائلين ليسوا متفائلين حقيقة، ومتفائلين يمكنهم فقط أن يقولوا: إن مؤشرات عاطفتنا تبدو جيدة. بعبارة أخرى، ليس هناك حتى الآن ما يدعو إلى التفاؤل بما وراء الأجل القصير جداً.
نقلا عن فاينانشال تايمز |