|
وصف المقال |
مارتن وولف الذين لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بتكراره. وينطبق ذلك، على الأقل، على الأزمة الهائلة التي سقط فيها العالم. فما الذي يقف وراءها؟ الإجابة هي دورة العقارات التي غذاها الائتمان. أصبح الناس في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وإسبانيا، وإيرلندا، مضاربين في الأراضي. وتعمل البقايا السامة على تسميم الاقتصاد العالمي. اشتريت منزلي في لندن عام 1984. وأقدر أن الأرض المقام عليها كانت تساوي 100 ألف جنيه استرليني بالأسعار الحالية. أما اليوم، فربما تضاعفت هذه القيمة عشر مرات. ولم تكن كل تلك الزيادة ناتجة عن جهدٍ من جانبي. إنها جائزة امتلاك موقع جعلته جهود الآخرين قيماً، وعززها نظام تخطيط مقيد، ومعاملة ضريبية سخية ـ الضرائب على العقارات متدنية ولا توجد ضريبة على المكاسب. وأنا مضارب على الأراضي – أرستقراطي صغير في بلد ظلت فيه الاستفادة من ثمار جهود الآخرين، منذ فترة طويلة، طريقاً رئيسياً للحصول على الثروة. هذه الاستفادة من ارتفاع القيمة ليست فقط غير عادلة: فما الذي فعلتُه كي استحق هذه الثروة الإضافية؟ وفوق ذلك لها نتائج خطيرة. النتيجة الأولى هي أنها تجعل من الضروري للدولة أن تمول نفسها بفرض ضرائب على الجهود، والأصالة، والرؤية المستقبلية المستنيرة. ويفترض أن يؤدي فرض ضرائب على العمل ورأس المال إلى تخفيض العرض منهما. لكن ضرائب الأراضي تعمل فقط على تقليص الجوائز غير المكتسبة للمالكين.
النتيجة الثانية هي أن النظام يولّد حوافز سياسية كارثية. وفي عالم اقترض فيه الناس بشدة لامتلاك قطعة أرض، فإنهم يصبحون تواقين للتمتع بارتفاع الأسعار، بل والتمتع أكثر من ذلك بمنع تراجع سعر الأرض. وهكذا، فإن الصحف تكيل المديح لتحركات الأسعار نحو الأعلى فيما يتعلق بمكان يعيش فيه الإنسان – العنصر الأساسي الأول في أسباب الراحة. والمستفيدون يتجاوزون مجرد مضاربي الأراضي، كما أنهم كذلك داعمون متحمسون للتلاعب بالأسواق. وفي المملكة المتحدة خاصة، يرحبون بإيجاد الندرة المصطنعة للأراضي من خلال قيود التخطيط. وهذه أهم طريقة تنتقل بها الثروة من الشباب غير المالكين للعقارات والأراضي إلى المتقدمين في السن الذين لديهم ذلك. ويؤكد ديفيد ويليتس، الوزير في حكومة المملكة المتحدة، على عدم عدالة توزيع الثروة بين الأجيال*، وذلك في كتاب جديد له. وسوق الأراضي المتلاعب فيها سبب رئيسي. النتيجة الثالثة والأكثر أهمية، هي أن فرصة المضاربة بالأراضي تغذي دورة الائتمان وتتغذى عليها في الوقت ذاته. وفي كتاب متميز جديد له ينذر بالويل والثبور وعظائم الأمور، يجادل الصحافي، فرد هاريسون، بأن هذه الدورة - بامتداد يصل إلى 18 سنة - كانت أمراً قابلاً للتوقع، بل إنه توقعها بنفسه**. وهو يلاحظ في خلاصة الأمر أن المشترين يستأجرون العقارات من المصرفيين مقابل مقامرة على ارتفاع الأسعار. ويحصل عدد كبير من الوكلاء والوسطاء على رسوم مقابل ترتيب، وتغليف، وتوزيع ثمار مثل عمليات المضاربة هذه. وفي الاتجاه التصاعدي الطويل (امتد أحدث اتجاه تصاعدي في المملكة المتحدة 11 عاماً)، يصبح الجميع أغنياء معاً، بينما ينفجر الائتمان، والدين باتجاه الأعلى. وبعد ذلك، حين يأتي الانهيار، يتكبد المقترضون والمؤسسات المالية ودافعو الضرائب خسائر ضخمة. إنه برنامج هرمي عملاق شهدنا ثماره المرة حيناً بعد حين. كنت على قناعة، منذ فترة طويلة، بأن من المفروض أن يكون ريع الموارد شأناً مجتمعياً عاماً، وليس خاصاً بالمالكين الأفراد. ومع ذلك، وكما يشير هاريسون ''إننا كمجتمع نجعل دخولنا التي اكستبناها بشكل خاص شأناً يخص المجتمع (الأجور والرواتب)، بينما نعمل على تخصيص دخلنا الاجتماعي (من الأرض)''. وأياً كان رأي المرء في عدالة هذه الحجة، فإن العواقب أصبحت مرعبة. فهل نريد البدء في دورة عقارات أخرى ممولة بالائتمان بمجرد التخلص من حطام الدورة الحالية؟ إذا ''كانت الأزمة مناسبة أروع من أن نضيعها''، فإن لدينا حالة ملحة وحرجة كي نتخذ ما يلزم من إجراءات. ومن شأن جعل القيمة الريعية الكاملة للأرض شأناً مجتمعياً تدمير النظام المالي، وكذلك ثروات قسم كبير من الناس. لكن جعل أي كسب، من الآن فصاعداً، أمراً مجتمعياً، يمكن أن يكون ألمه أقل بكثير. ومن شأن هذا الأمر القضاء على حُمّى مضاربات الأراضي، ويمكن أن يسمح بتحول في العبء الضريبي. وربما يكون بالأهمية ذاتها، في ظل توقعات إزالة زيادات الثروات دون جهود، أن تعيد المملكة المتحدة اختبار قوانينها الخاصة بالتخطيط. وهناك خوف من العواقب الخطيرة لذلك على الريف. وعلى أية حال تجدر ملاحظة مدى ضآلة ما تدعو إليه الحاجة: لو زدنا ثلاثة أميال فقط على نصف قطر مدينة لندن، فإن ذلك يزيد المساحة السطحية للعاصمة بنسبة 50 في المائة. فهل سيكون ذلك بمثابة نهاية للأراضي الخضراء الساحرة في إنجلترا؟ لا أتوقع أن تجرؤ أية حكومة على محاولة جعل الإنجليز يتخلون عن ثقتهم بمضاربات الأراضي، لكن بإمكاني أن آمل في ذلك. هذا هو الوقت المناسب لإحداث تغيير جذري.
*The Pinch, Atlantic Books. ** The Inquest, Discovered Author.
نقلا عن فاينانشال تايمز |